التعبير مهارة نتعلمها منذ طفولتنا الأولى. تبدأ بتأتآت صغيرة، وإشارات غامضة، وأصوات لا تكتمل، ثم تتحول شيئًا فشيئًا إلى كلمات متقطعة، قبل أن نبلغ مرحلة التعبير الشفهي؛ أي القدرة على الكلام ومخاطبة الآخرين.
بعد ذلك تأتي مرحلة التعبير الكتابي، حين نتعلم كيف نستخدم الرموز المكتوبة للتعبير عن أمور بسيطة في البداية، ثم تتعقد هذه الأمور مع الوقت والحاجة والتجربة، حتى نصل إلى ما يمكن أن نسميه: مرحلة الإنشاء.
في مرحلة الإنشاء نكتشف أن الكتابة ليست مجرد وضع كلمات متتابعة على الورق، بل هي بناء تصور عام عما نريد قوله، حتى لو لم نصرّح به مباشرة. فالقصة، أو الحكاية، أو المقال، أو الرسالة، لا تقوم على ظاهر الكلمات وحده، بل تحمل عادة معنى أعمق، أو رسالة كامنة، أو تصورًا مخفيًا وراء السرد والشخصيات والحوارات.
حتى الرسالة العادية، التي نظنها مباشرة، غالبًا ما تدور حول معنى واحد نريد إيصاله. أما ما حول هذا المعنى من مقدمات، ولطف، وخواتيم، وصيغ مناسبة، فوظيفته أن يهيّئ المتلقي لاستقبال الرسالة بأقل قدر ممكن من الحدة أو سوء الفهم.
أساسيات تنمية مهارة الإنشاء
أول ما ينبغي فهمه أن قيمة الإنشاء الحقيقية لا تكمن في كونه كلامًا نفسيًا منفردًا، بل في كونه فعلًا تواصليًا. فنحن لا نكتب لأنفسنا وحدنا، بل نكتب لنصل إلى غيرنا. لذلك تنمو المهارة الإنشائية حين نبني علاقات كتابية نشطة مع القراء، ونشارك باستمرار، ونصغي إلى نقد الآخرين، ونتعلم من ردود أفعالهم.
وثاني ما ينبغي إدراكه أن الإنشاء يظهر غالبًا حين نعجز عن التعبير المباشر. فالأفكار المركبة، والمشاعر العميقة، والتجارب الإنسانية، لا تكفيها جملة واحدة. لذلك نلجأ إلى القصة، أو المقال، أو الخاطرة، أو الرسالة، كي نحمل ما لا يستطيع التعبير المباشر حمله وحده. ويمكن تنمية هذا الوعي عبر القراءة النقدية، والبحث عن الرسائل الخفية في أعمال الآخرين: ماذا يريد الكاتب أن يقول حقًا؟ وما المعنى الذي يختبئ خلف الأحداث أو الصور أو النبرة؟
أما الأمر الثالث، فهو أن لكل قالب إنشائي قواعده. فالقصة ليست كالمقال، والرسالة ليست كالخاطرة، والخطاب ليس كالحكاية. على الكاتب أن يتعلم هذه القواعد أولًا، ثم يتخفف منها تدريجيًا حين تصبح جزءًا من مهارته. وكما يقال في كثير من مجالات التعبير الإبداعي: نتعلم القاعدة حتى نحسن استخدامها، ثم ننساها حين نبلغ القدرة على تجاوزها بوعي.
سر الأسرار في الكتابة الإنشائية
ما لا يقوله كثير من المحترفين بوضوح أن الكتابة الإنشائية تمر غالبًا عبر أربع مراحل أساسية:
أولًا: الإعداد
وفيه يهيئ الكاتب نفسه ومادته. يقرأ، ويفكر، ويجمع الملاحظات، ويحدد ما يريد قوله، ولمن يريد قوله، وبأي نبرة أو قالب.
ثانيًا: التنفيذ
وهو مرحلة الكتابة الفعلية، حيث تتحول الفكرة إلى نص. وفي هذه المرحلة لا ينبغي طلب الكمال منذ السطر الأول؛ فالمهم أن يخرج المعنى من الذهن إلى الورق.
ثالثًا: المراجعة
وهي ما يسمى غالبًا بـ «التحرير». هنا يعود الكاتب إلى النص ليرتبه، ويحذف الزائد، ويوضح الغامض، ويقوّي الضعيف، ويعيد صياغة ما لم يبلغ أثره المطلوب.
رابعًا: النشر
وهو إيصال العمل إلى المتلقي، وانتظار أثره وردة فعله. فالنص لا يكتمل تمامًا في عزلة الكاتب، بل يكتمل حين يدخل دائرة القراءة والتفاعل.
ملاحظة أخيرة
كل مرحلة من هذه المراحل مهارة قائمة بذاتها. فالإعداد مهارة، والكتابة مهارة، والتحرير مهارة، والنشر مهارة. لذلك، إذا كنت كاتبًا هاويًا، فلا تبدأ بطلب الإتقان الكامل، بل ابدأ بالتجربة، وتصحيح الخطأ، والقراءة الواعية، وربما الالتحاق ببعض الدورات التعليمية المتخصصة. فالكتابة الإنشائية لا تولد كاملة. إنها تنمو كما تنمو كل مهارة: بالممارسة، والصبر، والوعي، والإنصات لما يقوله النص، وما يقوله القارئ أيضًا.

0 تعليق
Trackbacks/Pingbacks