منصة فكّر

لتعليم حرفة التفكير والكتابة باللغة العربية للبالغين والمحترفين

٥. كيف تنمّي مهاراتك الإنشائية؟

بواسطة | يوليو 1, 2026 | تقنيات كتابية | 0 تعليقات

Play Sound

التعبير‭ ‬مهارة‭ ‬نتعلمها‭ ‬منذ‭ ‬طفولتنا‭ ‬الأولى‭. ‬تبدأ‭ ‬بتأتآت‭ ‬صغيرة،‭ ‬وإشارات‭ ‬غامضة،‭ ‬وأصوات‭ ‬لا‭ ‬تكتمل،‭ ‬ثم‭ ‬تتحول‭ ‬شيئًا‭ ‬فشيئًا‭ ‬إلى‭ ‬كلمات‭ ‬متقطعة،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬نبلغ‭ ‬مرحلة‭ ‬التعبير‭ ‬الشفهي؛‭ ‬أي‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬الكلام‭ ‬ومخاطبة‭ ‬الآخرين‭.‬

بعد‭ ‬ذلك‭ ‬تأتي‭ ‬مرحلة‭ ‬التعبير‭ ‬الكتابي،‭ ‬حين‭ ‬نتعلم‭ ‬كيف‭ ‬نستخدم‭ ‬الرموز‭ ‬المكتوبة‭ ‬للتعبير‭ ‬عن‭ ‬أمور‭ ‬بسيطة‭ ‬في‭ ‬البداية،‭ ‬ثم‭ ‬تتعقد‭ ‬هذه‭ ‬الأمور‭ ‬مع‭ ‬الوقت‭ ‬والحاجة‭ ‬والتجربة،‭ ‬حتى‭ ‬نصل‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نسميه‭: ‬مرحلة‭ ‬الإنشاء‭.‬

في‭ ‬مرحلة‭ ‬الإنشاء‭ ‬نكتشف‭ ‬أن‭ ‬الكتابة‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬وضع‭ ‬كلمات‭ ‬متتابعة‭ ‬على‭ ‬الورق،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬بناء‭ ‬تصور‭ ‬عام‭ ‬عما‭ ‬نريد‭ ‬قوله،‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬لم‭ ‬نصرّح‭ ‬به‭ ‬مباشرة‭. ‬فالقصة،‭ ‬أو‭ ‬الحكاية،‭ ‬أو‭ ‬المقال،‭ ‬أو‭ ‬الرسالة،‭ ‬لا‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬ظاهر‭ ‬الكلمات‭ ‬وحده،‭ ‬بل‭ ‬تحمل‭ ‬عادة‭ ‬معنى‭ ‬أعمق،‭ ‬أو‭ ‬رسالة‭ ‬كامنة،‭ ‬أو‭ ‬تصورًا‭ ‬مخفيًا‭ ‬وراء‭ ‬السرد‭ ‬والشخصيات‭ ‬والحوارات‭.‬

حتى‭ ‬الرسالة‭ ‬العادية،‭ ‬التي‭ ‬نظنها‭ ‬مباشرة،‭ ‬غالبًا‭ ‬ما‭ ‬تدور‭ ‬حول‭ ‬معنى‭ ‬واحد‭ ‬نريد‭ ‬إيصاله‭. ‬أما‭ ‬ما‭ ‬حول‭ ‬هذا‭ ‬المعنى‭ ‬من‭ ‬مقدمات،‭ ‬ولطف،‭ ‬وخواتيم،‭ ‬وصيغ‭ ‬مناسبة،‭ ‬فوظيفته‭ ‬أن‭ ‬يهيّئ‭ ‬المتلقي‭ ‬لاستقبال‭ ‬الرسالة‭ ‬بأقل‭ ‬قدر‭ ‬ممكن‭ ‬من‭ ‬الحدة‭ ‬أو‭ ‬سوء‭ ‬الفهم‭.‬

‭ ‬أساسيات‭ ‬تنمية‭ ‬مهارة‭ ‬الإنشاء

أول‭ ‬ما‭ ‬ينبغي‭ ‬فهمه‭ ‬أن‭ ‬قيمة‭ ‬الإنشاء‭ ‬الحقيقية‭ ‬لا‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬كونه‭ ‬كلامًا‭ ‬نفسيًا‭ ‬منفردًا،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬كونه‭ ‬فعلًا‭ ‬تواصليًا‭. ‬فنحن‭ ‬لا‭ ‬نكتب‭ ‬لأنفسنا‭ ‬وحدنا،‭ ‬بل‭ ‬نكتب‭ ‬لنصل‭ ‬إلى‭ ‬غيرنا‭. ‬لذلك‭ ‬تنمو‭ ‬المهارة‭ ‬الإنشائية‭ ‬حين‭ ‬نبني‭ ‬علاقات‭ ‬كتابية‭ ‬نشطة‭ ‬مع‭ ‬القراء،‭ ‬ونشارك‭ ‬باستمرار،‭ ‬ونصغي‭ ‬إلى‭ ‬نقد‭ ‬الآخرين،‭ ‬ونتعلم‭ ‬من‭ ‬ردود‭ ‬أفعالهم‭.‬

وثاني‭ ‬ما‭ ‬ينبغي‭ ‬إدراكه‭ ‬أن‭ ‬الإنشاء‭ ‬يظهر‭ ‬غالبًا‭ ‬حين‭ ‬نعجز‭ ‬عن‭ ‬التعبير‭ ‬المباشر‭. ‬فالأفكار‭ ‬المركبة،‭ ‬والمشاعر‭ ‬العميقة،‭ ‬والتجارب‭ ‬الإنسانية،‭ ‬لا‭ ‬تكفيها‭ ‬جملة‭ ‬واحدة‭. ‬لذلك‭ ‬نلجأ‭ ‬إلى‭ ‬القصة،‭ ‬أو‭ ‬المقال،‭ ‬أو‭ ‬الخاطرة،‭ ‬أو‭ ‬الرسالة،‭ ‬كي‭ ‬نحمل‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يستطيع‭ ‬التعبير‭ ‬المباشر‭ ‬حمله‭ ‬وحده‭. ‬ويمكن‭ ‬تنمية‭ ‬هذا‭ ‬الوعي‭ ‬عبر‭ ‬القراءة‭ ‬النقدية،‭ ‬والبحث‭ ‬عن‭ ‬الرسائل‭ ‬الخفية‭ ‬في‭ ‬أعمال‭ ‬الآخرين‭: ‬ماذا‭ ‬يريد‭ ‬الكاتب‭ ‬أن‭ ‬يقول‭ ‬حقًا؟‭ ‬وما‭ ‬المعنى‭ ‬الذي‭ ‬يختبئ‭ ‬خلف‭ ‬الأحداث‭ ‬أو‭ ‬الصور‭ ‬أو‭ ‬النبرة؟

أما‭ ‬الأمر‭ ‬الثالث،‭ ‬فهو‭ ‬أن‭ ‬لكل‭ ‬قالب‭ ‬إنشائي‭ ‬قواعده‭. ‬فالقصة‭ ‬ليست‭ ‬كالمقال،‭ ‬والرسالة‭ ‬ليست‭ ‬كالخاطرة،‭ ‬والخطاب‭ ‬ليس‭ ‬كالحكاية‭. ‬على‭ ‬الكاتب‭ ‬أن‭ ‬يتعلم‭ ‬هذه‭ ‬القواعد‭ ‬أولًا،‭ ‬ثم‭ ‬يتخفف‭ ‬منها‭ ‬تدريجيًا‭ ‬حين‭ ‬تصبح‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬مهارته‭. ‬وكما‭ ‬يقال‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬مجالات‭ ‬التعبير‭ ‬الإبداعي‭: ‬نتعلم‭ ‬القاعدة‭ ‬حتى‭ ‬نحسن‭ ‬استخدامها،‭ ‬ثم‭ ‬ننساها‭ ‬حين‭ ‬نبلغ‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬تجاوزها‭ ‬بوعي‭.‬

‭ ‬سر‭ ‬الأسرار‭ ‬في‭ ‬الكتابة‭ ‬الإنشائية

ما‭ ‬لا‭ ‬يقوله‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬المحترفين‭ ‬بوضوح‭ ‬أن‭ ‬الكتابة‭ ‬الإنشائية‭ ‬تمر‭ ‬غالبًا‭ ‬عبر‭ ‬أربع‭ ‬مراحل‭ ‬أساسية‭:‬

أولًا‭: ‬الإعداد 

وفيه‭ ‬يهيئ‭ ‬الكاتب‭ ‬نفسه‭ ‬ومادته‭. ‬يقرأ،‭ ‬ويفكر،‭ ‬ويجمع‭ ‬الملاحظات،‭ ‬ويحدد‭ ‬ما‭ ‬يريد‭ ‬قوله،‭ ‬ولمن‭ ‬يريد‭ ‬قوله،‭ ‬وبأي‭ ‬نبرة‭ ‬أو‭ ‬قالب‭.‬

ثانيًا‭: ‬التنفيذ

وهو‭ ‬مرحلة‭ ‬الكتابة‭ ‬الفعلية،‭ ‬حيث‭ ‬تتحول‭ ‬الفكرة‭ ‬إلى‭ ‬نص‭. ‬وفي‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة‭ ‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬طلب‭ ‬الكمال‭ ‬منذ‭ ‬السطر‭ ‬الأول؛‭ ‬فالمهم‭ ‬أن‭ ‬يخرج‭ ‬المعنى‭ ‬من‭ ‬الذهن‭ ‬إلى‭ ‬الورق‭.‬

ثالثًا‭: ‬المراجعة

وهي‭ ‬ما‭ ‬يسمى‭ ‬غالبًا‭ ‬بـ‭ ‬‮«‬التحرير‮»‬‭. ‬هنا‭ ‬يعود‭ ‬الكاتب‭ ‬إلى‭ ‬النص‭ ‬ليرتبه،‭ ‬ويحذف‭ ‬الزائد،‭ ‬ويوضح‭ ‬الغامض،‭ ‬ويقوّي‭ ‬الضعيف،‭ ‬ويعيد‭ ‬صياغة‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬يبلغ‭ ‬أثره‭ ‬المطلوب‭.‬

رابعًا‭: ‬النشر

وهو‭ ‬إيصال‭ ‬العمل‭ ‬إلى‭ ‬المتلقي،‭ ‬وانتظار‭ ‬أثره‭ ‬وردة‭ ‬فعله‭. ‬فالنص‭ ‬لا‭ ‬يكتمل‭ ‬تمامًا‭ ‬في‭ ‬عزلة‭ ‬الكاتب،‭ ‬بل‭ ‬يكتمل‭ ‬حين‭ ‬يدخل‭ ‬دائرة‭ ‬القراءة‭ ‬والتفاعل‭.‬

ملاحظة‭ ‬أخيرة

كل‭ ‬مرحلة‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬المراحل‭ ‬مهارة‭ ‬قائمة‭ ‬بذاتها‭. ‬فالإعداد‭ ‬مهارة،‭ ‬والكتابة‭ ‬مهارة،‭ ‬والتحرير‭ ‬مهارة،‭ ‬والنشر‭ ‬مهارة‭. ‬لذلك،‭ ‬إذا‭ ‬كنت‭ ‬كاتبًا‭ ‬هاويًا،‭ ‬فلا‭ ‬تبدأ‭ ‬بطلب‭ ‬الإتقان‭ ‬الكامل،‭ ‬بل‭ ‬ابدأ‭ ‬بالتجربة،‭ ‬وتصحيح‭ ‬الخطأ،‭ ‬والقراءة‭ ‬الواعية،‭ ‬وربما‭ ‬الالتحاق‭ ‬ببعض‭ ‬الدورات‭ ‬التعليمية‭ ‬المتخصصة‭. ‬فالكتابة‭ ‬الإنشائية‭ ‬لا‭ ‬تولد‭ ‬كاملة‭. ‬إنها‭ ‬تنمو‭ ‬كما‭ ‬تنمو‭ ‬كل‭ ‬مهارة‭: ‬بالممارسة،‭ ‬والصبر،‭ ‬والوعي،‭ ‬والإنصات‭ ‬لما‭ ‬يقوله‭ ‬النص،‭ ‬وما‭ ‬يقوله‭ ‬القارئ‭ ‬أيضًا‭.‬

0 تعليق

Trackbacks/Pingbacks

  1. بذور مهارة التعبير الكتابي الأدبي | موقع الكاتب الشادي/ سعود الحركان - […] العام، الذي بدأنا الحديث عنه في مقال سابق بعنوان: كيف تنمّي مهاراتك الإنشائية؟ غير أن الكتابة الأدبية تتميّز بهدف…

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *