منصة فكّر

لتعليم حرفة التفكير والكتابة باللغة العربية للبالغين والمحترفين

بذور مهارة التعبير الكتابي الأدبي

بواسطة | يونيو 30, 2026 | كتابة أدبية عامة | 0 تعليقات

Play Sound

تقع الكتابة الأدبية ضمن مفهوم الإنشاء العام، الذي بدأنا الحديث عنه في مقال سابق بعنوان: كيف تنمّي مهاراتك الإنشائية؟ غير أن الكتابة الأدبية تتميّز بهدف خاص؛ فهي لا تسعى إلى نقل المعنى فحسب، بل إلى تحويل القراءة من عملية ذهنية مجرّدة إلى تجربة حيّة ولذيذة، يعيشها القارئ باللغة، والخيال، والإحساس.

فالكتابة الأدبية لا تكتفي بأن تقول: «أحمد يحب القراءة»، بل قد تقول: «كان أحمد يقيم بين الكتب أكثر مما يقيم بين الناس». في العبارة الأولى تصل المعلومة، أما في الثانية فتتشكل صورة، ويبدأ الخيال في العمل.

وبعبارة أخرى، يمكن القول إن الكتابة الأدبية نمط من أنماط التواصل بين البشر، يعتمد على لغة ثرية قادرة على وصف المشاعر، والأحاسيس، والتجارب، وتسعى إلى التأثير في وجدان القارئ من خلال استثارة خياله.

ومن هذا التعريف يمكن أن نرى أن أهم مرتكزات الكتابة الأدبية ثلاثة:

أولًا: اللغة

اللغة في الكتابة الأدبية ليست أداة لنقل المعلومات فقط، بل وسيلة لحمل القارئ إلى أماكن بعيدة داخل خياله. فالكلمة الأدبية لا تشير إلى الشيء وحده، بل تستدعي ظله، ورائحته، وصوته، وما يتركه في النفس من أثر.

ثانيًا: التركيب

تعتمد الكتابة الأدبية على قوالب إنشائية لها تقاليد وقواعد متعارف عليها، مثل القصة، والرواية، والخاطرة، والمقال الأدبي، والقصيدة. ولكل قالب طريقته في بناء المعنى، وترتيب الأحداث أو الصور أو الأفكار.

ثالثًا: الأغراض

لكل جماعة بشرية اهتمامات وجدانية وعاطفية تنعكس في أدبها. فالأدب لا ينفصل عن ثقافة أهله، ولا عن تجاربهم الكبرى. لذلك نجد في الأدب العربي، على سبيل المثال، حضورًا واضحًا لأغراض مثل الحماسة، والفخر، والحب، والرثاء، والحكمة؛ لأنها تعكس جانبًا من طبيعة التجربة العربية وتاريخها الوجداني.

البلاغة وعلاقتها بالكتابة الأدبية

يمكن تعريف البلاغة، تعريفًا أوليًا، بأنها القدرة على إيصال الرسالة الأدبية إلى المتلقي بأوضح صورة وأشدها أثرًا. فالبلاغة لا تعني استخدام الكلمات الصعبة، ولا زخرفة الجمل بلا حاجة، بل تعني نجاح النص في بلوغ القارئ، وإثارة انتباهه، وتحريك وجدانه.

ومع ذلك، يختلف الناس في النظر إلى البلاغة. فهناك من يربطها بالكمال اللغوي ودقة استعمال أدوات اللغة، وهناك من يربطها بقدرة النص على التواصل والتأثير. والأقرب أن البلاغة تجمع بين الأمرين: جمال الصياغة من جهة، ونجاح الأثر من جهة أخرى.

مستويات الكتابة الأدبية

ينتج عن هذا الاختلاف في فهم البلاغة اتجاهان في تطوير الكتابة الأدبية.

الاتجاه الأول يركّز على تطوير القدرة اللغوية: اختيار الألفاظ، بناء الجمل، استخدام الصور، ضبط الإيقاع، وإتقان أدوات البيان.

أما الاتجاه الثاني فيركّز على تطوير القدرة التواصلية: وضوح الرسالة، مناسبة النص للمتلقي، شدّ انتباه القارئ، وبناء أثر يبقى بعد القراءة. وهذا الاتجاه يظهر بوضوح عند دور النشر، والكتّاب الهواة، وكتّاب أدب الطفل خاصة؛ لأن النص عندهم لا يُقاس بجماله اللغوي وحده، بل بقدرته على الوصول إلى القارئ.

علاقة الكتابة الأدبية بالتعبير والإنشاء والبيان

يمكن وضع الكتابة الأدبية ضمن هذا السياق العام:التعبير: إخراج ما في النفس.
الإنشاء: بناء هذا التعبير في قالب؛ مثل قصة، أو مقال، أو خاطرة، أو رسالة.
البيان: تقريب المعنى بالصورة، والمجاز، والتشبيه، والكناية.
الكتابة الأدبية: حين تعمل هذه العناصر معًا لإنتاج نص له أثر جمالي وإنساني.

خلاصة

الكتابة الأدبية ليست زخرفة لغوية، وليست كلمات صعبة تُرصّ في جمل ثقيلة. إنها القدرة على جعل القارئ لا يفهم المعنى فقط، بل يراه، ويشعر به، ويخرج من النص وقد بقي شيء منه في نفسه.

فالكتابة العادية تقول للمتلقي ما حدث، أما الكتابة الأدبية فتجعله يعيش أثر ما حدث.

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *