منصة فكّر

لتعليم حرفة التفكير والكتابة باللغة العربية للبالغين والمحترفين

شجرة الكلمة (١)

بواسطة | أغسطس 22, 2026 | مقالات فكرية عامة | 1 تعليق

Play Sound

جذور الشجرة

حين‭ ‬ننظر‭ ‬إلى‭ ‬اللغة‭ ‬كما‭ ‬وصلت‭ ‬إلينا،‭ ‬تبدو‭ ‬الكلمات‭ ‬فيها‭ ‬وكأنها‭ ‬وُجدت‭ ‬مكتملة‭ ‬منذ‭ ‬البداية؛‭ ‬أصوات‭ ‬تحمل‭ ‬معانيها،‭ ‬ومفردات‭ ‬تنتظم‭ ‬في‭ ‬المعاجم،‭ ‬ومصطلحات‭ ‬تتوزع‭ ‬بين‭ ‬العلوم‭ ‬والمعارف‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الصورة‭ ‬خادعة،‭ ‬وتخفي‭ ‬خلفها‭ ‬رحلة‭ ‬طويلة‭ ‬سبقت‭ ‬وصول‭ ‬ذلك‭ ‬الإرث‭ ‬إلينا؛‭ ‬رحلة‭ ‬بديعة‭ ‬تعرّجت‭ ‬فيها‭ ‬الطرق‭ ‬منذ‭ ‬نشوء‭ ‬تلك‭ ‬الأصوات،‭ ‬ثم‭ ‬تبدلت‭ ‬أحوالها،‭ ‬فتطور‭ ‬بعضها،‭ ‬واندثر‭ ‬بعضها‭ ‬الآخر‭ ‬كأنه‭ ‬لم‭ ‬يوجد‭ ‬قط‭.‬

في‭ ‬هذا‭ ‬المقال‭ ‬القصير‭ ‬نريد‭ ‬أن‭ ‬نتخيل‭ ‬ما‭ ‬جرى‭ ‬عبر‭ ‬السنين‭ ‬لتلك‭ ‬الأصوات‭ ‬ـ‭ ‬التي‭ ‬نسميها‭ ‬اليوم،‭ ‬على‭ ‬وجه‭ ‬التعميم،‭ ‬‮«‬الكلمات‮»‬‭ ‬ـ‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬مقاربة‭ ‬تبسيطية‭. ‬فلنتخيل،‭ ‬للحظة،‭ ‬أننا‭ ‬نملك‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬صناعة‭ ‬لغة‭ ‬من‭ ‬العدم؛‭ ‬لغة‭ ‬تشبه‭ ‬العربية‭ ‬في‭ ‬أصواتها‭ ‬وبنيتها،‭ ‬لكن‭ ‬كلماتها‭ ‬لم‭ ‬تحمل‭ ‬أي‭ ‬معنى‭ ‬بعد‭. ‬بذلك‭ ‬نستطيع‭ ‬أن‭ ‬نفصل‭ ‬بين‭ ‬عالم‭ ‬اللسان‭ ‬وعالم‭ ‬المعرفة؛‭ ‬هذين‭ ‬العالمين‭ ‬المترابطين عادة‭ ‬في‭ ‬كل اللغات الحية‭.‬

بداهة،‭ ‬سيكون‭ ‬لدينا‭ ‬في‭ ‬البداية‭ ‬الصوت؛‭ ‬تلك‭ ‬المادة‭ ‬الخام‭ ‬التي‭ ‬يستطيع‭ ‬جهاز‭ ‬النطق‭ ‬الإنساني‭ ‬توليدها‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬حركات‭ ‬اللسان‭ ‬والفك‭ ‬وسائر‭ ‬أعضاء‭ ‬النطق‭. ‬بيد‭ ‬أن‭ ‬الصوت‭ ‬وحده‭ ‬ليس‭ ‬لغة؛‭ ‬فالسعال‭ ‬صوت،‭ ‬والأنين‭ ‬صوت،‭ ‬والصرخة‭ ‬صوت،‭ ‬لكنها‭ ‬لا‭ ‬تصبح‭ ‬كيانات‭ ‬لسانية‭ ‬لمجرد‭ ‬صدورها‭ ‬عن‭ ‬الإنسان‭. ‬ في الحقيقة‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬نسميه‭ ‬‮ «‬اللغة‮»‬‭ ‬لا‭ ‬يبدأ‭ ‬إلا‭ ‬حين‭ ‬تنتظم‭ ‬بعض‭ ‬تلك‭ ‬الأصوات‭ ‬وفق‭ ‬منظومة‭ ‬تسمح‭ ‬بتكوين‭ ‬صور‭ ‬قابلة‭ ‬للنطق‭ ‬والتكرار‭ ‬والتمييز‭. ‬ويكون‭ ‬أول‭ ‬نتاج‭ ‬لهذا‭ ‬الانتظام‭ ‬ما‭ ‬نصطلح‭ ‬هنا‭ ‬على‭ ‬تسميته‭ ‬‮«‬اللفظ».‬‭. ‬فيصير‭ ‬اللفظ،‭ ‬في‭ ‬مقاربتنا،‭ ‬تشكيلًا‭ ‬صوتيًا‭ ‬لسانيًا‭ ‬يمكن‭ ‬نطقه‭ ‬وفق‭ ‬نظام‭ ‬اللغة،‭ ‬سواء‭ ‬أكان‭ ‬له‭ ‬معنى‭ ‬أم‭ ‬لم‭ ‬يكن‭. ‬نستطيع،‭ ‬مثلًا،‭ ‬أن‭ ‬نصنع‭ ‬لفظًا‭ ‬خاليًا‭ ‬من‭ ‬المعنى‭ ‬مثل‭ ‬‮«‬مَرْدَق»؛‭ ‬كيانًا‭ ‬صوتيًا‭ ‬يمكن‭ ‬سماعه‭ ‬وإعادته‭ ‬وتمييزه‭ ‬عن‭ ‬غيره،‭ ‬لكنه‭ ‬يظل‭ ‬قالبًا‭ ‬خاليًا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نربطه‭ ‬بأي‭ ‬معنى‭ ‬نشاء‭.‬

ثم‭ ‬تحدث‭ ‬الخطوة‭ ‬الفاصلة؛‭ ‬خطوة‭ ‬الربط‭ ‬التي‭ ‬نمنح‭ ‬فيها‭ ‬اللفظ‭ ‬معنى‭. ‬فنقرر‭ ‬مثلًا‭ ‬أن‭ ‬‮«‬مردق» ‬‭ ‬يعني‭ ‬السير‭ ‬في‭ ‬الليل‭. ‬عندها‭ ‬يتغير‭ ‬وضع‭ ‬ذلك‭ ‬الكيان؛‭ ‬إذ‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬مجرد‭ ‬صورة‭ ‬صوتية،‭ ‬بل‭ ‬أصبح‭ ‬قادرًا‭ ‬على‭ ‬نقل‭ ‬رسالة‭ ‬تواصلية‭ ‬من‭ ‬شخص‭ ‬إلى‭ ‬آخر‭. ‬وهنا‭ ‬يصير‭ ‬اللفظ‭ ‬‮ ‬”كلمة“‬‭. ‬ فتغدو‭ ‬الكلمة،‭ ‬في‭ ‬مقاربتنا،‭ ‬لفظًا‭ ‬ذا‭ ‬معنى‭ ‬تواصلي‭. ‬وتصبح‭ ‬تلك‭ ‬اللحظة،‭ ‬أعني‭ ‬لحظة‭ ‬لقاء‭ ‬الصوت‭ ‬بالدلالة،‭ ‬لحظة‭ ‬حاسمة‭ ‬تبدأ‭ ‬فيها‭ ‬اللغة‭ ‬أداء‭ ‬وظيفتها‭ ‬الأساسية‭:‬‭ ‬التواصل‭.‬

لفتة

 ‬ليست‭ ‬كل‭ ‬كلمة‭ ‬يولدها‭ ‬إنسان‭ ‬في‭ ‬لحظة‭ ‬ما‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬اللغة‭ ‬بالضرورة‭. ‬فقد‭ ‬يبتكر‭ ‬اثنان‭ ‬منا‭ ‬كلمة‭ ‬ما،‭ ‬ويتفقان‭ ‬على‭ ‬معناها،‭ ‬لكنها‭ ‬تعود‭ ‬فتُنسى‭ ‬وتختفي‭ ‬بانتهاء‭ ‬الحاجة‭ ‬إليها‭.‬

نعود‭ ‬إلى‭ ‬التواصل‭ ‬فنقول‭ ‬إن‭ ‬التواصل‭ ‬يتطلب‭ ‬اتفاقات‭ ‬جماعية‭ ‬أوسع‭ ‬تسمح‭ ‬للكلمة‭ ‬بتجاوز‭ ‬وجودها‭ ‬العابر؛‭ ‬اتفاقات‭ ‬تمنحها‭ ‬التكرار‭ ‬والاستقرار،‭ ‬وتجعلها‭ ‬قابلة‭ ‬للاستدعاء‭ ‬والتداول‭ ‬بين‭ ‬أفراد‭ ‬الجماعة‭. ‬إنها‭ ‬اتفاقات‭ ‬تواصلية‭ ‬تجعل‭ ‬من‭ ‬الكلمة “‭ ‬مفردة”‭ ‬معتمدة‭ ‬داخل‭ ‬جماعة‭ ‬من‭ ‬البشر‭. ‬فيصير‭ ‬تعريف‭ ‬المفردة،‭ ‬في‭ ‬مقاربتنا،‭ ‬الكلمة‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬تستقر‭ ‬في‭ ‬الرصيد‭ ‬اللغوي‭ ‬المشترك‭. ‬أو،‭ ‬بتعبير‭ ‬آخر،‭ ‬تصبح‭ ‬الكلمة‭ ‬عضوًا‭ ‬في‭ ‬جسد‭ ‬اللغة؛‭ ‬عضوًا‭ ‬تستطيع‭ ‬الجماعة‭ ‬الرجوع‭ ‬إليه‭ ‬كلما‭ ‬احتاجت‭ ‬إلى‭ ‬المعنى‭ ‬الذي‭ ‬يحمله‭. ‬ولهذا‭ ‬نتحدث‭ ‬عن‭ ‬‮«‬مفردات‭ ‬اللغة‮»‬‭ ‬و«حصيلة‭ ‬المفردات‮»‬‭ ‬و«اكتساب‭ ‬المفردات‮»‬،‭ ‬لأننا‭ ‬ننظر‭ ‬إلى‭ ‬الكلمات‭ ‬هنا‭ ‬بوصفها‭ ‬عناصر‭ ‬في‭ ‬مخزون‭ ‬جماعي‭ ‬من‭ ‬الأدوات‭ ‬اللسانية‭.‬

لكن‭ ‬رحلة‭ ‬الكلمة‭ ‬لا‭ ‬تنتهي‭ ‬هنا‭. ‬فحين‭ ‬تبدأ‭ ‬الجماعة‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬العلوم‭ ‬والصناعات‭ ‬والنظم‭ ‬الفكرية،‭ ‬تحتاج‭ ‬بعض‭ ‬المفردات‭ ‬إلى‭ ‬معانٍ‭ ‬أكثر‭ ‬دقة‭ ‬من‭ ‬معانيها‭ ‬اليومية‭. ‬عندئذ‭ ‬تُنتقى‭ ‬مفردة‭ ‬وتُخصَّص‭ ‬لها‭ ‬دلالة‭ ‬محددة‭ ‬داخل‭ ‬مجال‭ ‬معين،‭ ‬فتتحول‭ ‬إلى”‭ ‬مصطلح”‭. ‬فكلمة‭ ‬مثل‭ ‬‮«‬خلية»‬‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬مفردة‭ ‬عادية‭ ‬في‭ ‬اللغة،‭ ‬لكنها‭ ‬تصبح‭ ‬مصطلحًا‭ ‬حين‭ ‬تدخل‭ ‬علم‭ ‬الأحياء‭ ‬وتحمل‭ ‬داخله‭ ‬معنى‭ ‬مضبوطًا‭. ‬وكذلك‭ ‬‮«‬ذاكرة»‬‭ ‬أو‭ ‬‮«‬مجال‮»‬‭ ‬أو‭ ‬‮«‬شبكة»؛‭ ‬تبدأ‭ ‬كلمات‭ ‬في‭ ‬اللغة‭ ‬العامة،‭ ‬ثم‭ ‬تكتسب‭ ‬داخل‭ ‬أنظمة‭ ‬المعرفة‭ ‬دلالات‭ ‬أكثر‭ ‬تحديدًا‭. ‬وهكذا‭ ‬يقف‭ ‬المصطلح،‭ ‬في‭ ‬مقاربتنا،‭ ‬عند‭ ‬الحد‭ ‬الفاصل‭ ‬بين‭ ‬عالم‭ ‬اللسان‭ ‬وعالم‭ ‬المعرفة؛‭ ‬فهو‭ ‬ينتمي‭ ‬إلى‭ ‬اللغة‭ ‬في‭ ‬مادته،‭ ‬لكنه‭ ‬يمد‭ ‬أحد‭ ‬جذوره‭ ‬إلى‭ ‬نظام‭ ‬معرفي‭ ‬أوسع‭.‬

لفتة‭

‬التصور‭ ‬أعلاه،‭ ‬كما‭ ‬قلنا‭ ‬سابقًا،‭ ‬ليس‭ ‬سوى‭ ‬مقاربة‭ ‬تبسيطية؛‭ ‬فاللغة‭ ‬في‭ ‬أصلها‭ ‬نظام‭ ‬شديد‭ ‬التعقيد،‭ ‬ينمو‭ ‬ويتطور‭ ‬في‭ ‬اتجاهات‭ ‬كثيرة‭ ‬ومتداخلة،‭ ‬وليس‭ ‬سلسلة‭ ‬منتظمة‭ ‬من‭ ‬الدرجات‭ ‬المتتابعة‭.‬

أخيرًا،‭ ‬لو‭ ‬عدنا‭ ‬إلى‭ ‬تعاملاتنا‭ ‬اليومية‭ ‬مع‭ ‬اللغة،‭ ‬لوجدنا‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬وصفناه‭ ‬على‭ ‬أنه‭ ‬سلم‭ ‬متدرج‭ ‬ليس‭ ‬إلا‭ ‬نظامًا‭ ‬حيًا‭ ‬يتحرك‭ ‬ويتطور‭ ‬في‭ ‬اتجاهات‭ ‬شتى‭ ‬بلا‭ ‬توقف‭. ‬فنحن‭ ‬نبتكر‭ ‬أصواتًا‭ ‬وألفاظًا‭ ‬جديدة،‭ ‬ونمنح‭ ‬بعض‭ ‬الألفاظ‭ ‬معاني‭ ‬فتحيا‭ ‬كلمات‭ ‬جديدة‭. ‬ولا‭ ‬يتوقف‭ ‬الأمر‭ ‬عند‭ ‬ذلك؛‭ ‬إذ‭ ‬تدخل‭ ‬كلمات‭ ‬إلى‭ ‬المعجم،‭ ‬بينما‭ ‬تنسحب‭ ‬منه‭ ‬أخرى‭ ‬فقدت‭ ‬حضورها‭ ‬أو‭ ‬الحاجة‭ ‬إليها‭. ‬وكل‭ ‬هذه‭ ‬التحولات‭ ‬شائعة‭ ‬ومعروفة‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬اللغات،‭ ‬حتى‭ ‬وإن‭ ‬حدث‭ ‬معظمها‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬ننتبه‭ ‬إليها‭.‬

ملاحظة‭: ‬استكمالًا‭ ‬لبناء‭ ‬هذا‭ ‬التصور‭ ‬التبسيطي،‭ ‬ستجد‭ ‬فيما‭ ‬يلي‭ ‬رسمًا‭ ‬توضيحيًا‭ ‬للخطوات‭ ‬التي‭ ‬تحدثنا‭ ‬عنها‭ ‬في‭ ‬صورة‭ ‬جذور‭ ‬شجرة؛‭ ‬دوحة‭ ‬تمتد‭ ‬جذورها‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬اللسان،‭ ‬بينما‭ ‬يظهر‭ ‬فوقها‭ ‬عالم‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيدًا‭ ‬هو‭ ‬عالم‭ ‬المعنى‭ ‬والمفهوم‭ ‬والمعرفة،‭ ‬وهو‭ ‬العالم‭ ‬الذي‭ ‬سنواصل‭ ‬استكشافه‭ ‬في‭ ‬الجزء‭ ‬التالي‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬المقال‭.‬

1 تعليق

  1. AHMED

    مقال عميق ودقيق شكرا

    الرد

Trackbacks/Pingbacks

  1. شجرة الكلمة (٢) | موقع الكاتب الشادي/ سعود الحركان - […] ..تكلمة لمقال شجرة الكلمة (١) […]

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *