جذور الشجرة
حين ننظر إلى اللغة كما وصلت إلينا، تبدو الكلمات فيها وكأنها وُجدت مكتملة منذ البداية؛ أصوات تحمل معانيها، ومفردات تنتظم في المعاجم، ومصطلحات تتوزع بين العلوم والمعارف. غير أن هذه الصورة خادعة، وتخفي خلفها رحلة طويلة سبقت وصول ذلك الإرث إلينا؛ رحلة بديعة تعرّجت فيها الطرق منذ نشوء تلك الأصوات، ثم تبدلت أحوالها، فتطور بعضها، واندثر بعضها الآخر كأنه لم يوجد قط.
في هذا المقال القصير نريد أن نتخيل ما جرى عبر السنين لتلك الأصوات ـ التي نسميها اليوم، على وجه التعميم، «الكلمات» ـ من خلال مقاربة تبسيطية. فلنتخيل، للحظة، أننا نملك القدرة على صناعة لغة من العدم؛ لغة تشبه العربية في أصواتها وبنيتها، لكن كلماتها لم تحمل أي معنى بعد. بذلك نستطيع أن نفصل بين عالم اللسان وعالم المعرفة؛ هذين العالمين المترابطين عادة في كل اللغات الحية.
بداهة، سيكون لدينا في البداية الصوت؛ تلك المادة الخام التي يستطيع جهاز النطق الإنساني توليدها من خلال حركات اللسان والفك وسائر أعضاء النطق. بيد أن الصوت وحده ليس لغة؛ فالسعال صوت، والأنين صوت، والصرخة صوت، لكنها لا تصبح كيانات لسانية لمجرد صدورها عن الإنسان. في الحقيقة أن ما نسميه «اللغة» لا يبدأ إلا حين تنتظم بعض تلك الأصوات وفق منظومة تسمح بتكوين صور قابلة للنطق والتكرار والتمييز. ويكون أول نتاج لهذا الانتظام ما نصطلح هنا على تسميته «اللفظ».. فيصير اللفظ، في مقاربتنا، تشكيلًا صوتيًا لسانيًا يمكن نطقه وفق نظام اللغة، سواء أكان له معنى أم لم يكن. نستطيع، مثلًا، أن نصنع لفظًا خاليًا من المعنى مثل «مَرْدَق»؛ كيانًا صوتيًا يمكن سماعه وإعادته وتمييزه عن غيره، لكنه يظل قالبًا خاليًا يمكن أن نربطه بأي معنى نشاء.
ثم تحدث الخطوة الفاصلة؛ خطوة الربط التي نمنح فيها اللفظ معنى. فنقرر مثلًا أن «مردق» يعني السير في الليل. عندها يتغير وضع ذلك الكيان؛ إذ لم يعد مجرد صورة صوتية، بل أصبح قادرًا على نقل رسالة تواصلية من شخص إلى آخر. وهنا يصير اللفظ ”كلمة“. فتغدو الكلمة، في مقاربتنا، لفظًا ذا معنى تواصلي. وتصبح تلك اللحظة، أعني لحظة لقاء الصوت بالدلالة، لحظة حاسمة تبدأ فيها اللغة أداء وظيفتها الأساسية: التواصل.
لفتة
ليست كل كلمة يولدها إنسان في لحظة ما جزءًا من اللغة بالضرورة. فقد يبتكر اثنان منا كلمة ما، ويتفقان على معناها، لكنها تعود فتُنسى وتختفي بانتهاء الحاجة إليها.
نعود إلى التواصل فنقول إن التواصل يتطلب اتفاقات جماعية أوسع تسمح للكلمة بتجاوز وجودها العابر؛ اتفاقات تمنحها التكرار والاستقرار، وتجعلها قابلة للاستدعاء والتداول بين أفراد الجماعة. إنها اتفاقات تواصلية تجعل من الكلمة “ مفردة” معتمدة داخل جماعة من البشر. فيصير تعريف المفردة، في مقاربتنا، الكلمة بعد أن تستقر في الرصيد اللغوي المشترك. أو، بتعبير آخر، تصبح الكلمة عضوًا في جسد اللغة؛ عضوًا تستطيع الجماعة الرجوع إليه كلما احتاجت إلى المعنى الذي يحمله. ولهذا نتحدث عن «مفردات اللغة» و«حصيلة المفردات» و«اكتساب المفردات»، لأننا ننظر إلى الكلمات هنا بوصفها عناصر في مخزون جماعي من الأدوات اللسانية.
لكن رحلة الكلمة لا تنتهي هنا. فحين تبدأ الجماعة في بناء العلوم والصناعات والنظم الفكرية، تحتاج بعض المفردات إلى معانٍ أكثر دقة من معانيها اليومية. عندئذ تُنتقى مفردة وتُخصَّص لها دلالة محددة داخل مجال معين، فتتحول إلى” مصطلح”. فكلمة مثل «خلية» قد تكون مفردة عادية في اللغة، لكنها تصبح مصطلحًا حين تدخل علم الأحياء وتحمل داخله معنى مضبوطًا. وكذلك «ذاكرة» أو «مجال» أو «شبكة»؛ تبدأ كلمات في اللغة العامة، ثم تكتسب داخل أنظمة المعرفة دلالات أكثر تحديدًا. وهكذا يقف المصطلح، في مقاربتنا، عند الحد الفاصل بين عالم اللسان وعالم المعرفة؛ فهو ينتمي إلى اللغة في مادته، لكنه يمد أحد جذوره إلى نظام معرفي أوسع.
لفتة
التصور أعلاه، كما قلنا سابقًا، ليس سوى مقاربة تبسيطية؛ فاللغة في أصلها نظام شديد التعقيد، ينمو ويتطور في اتجاهات كثيرة ومتداخلة، وليس سلسلة منتظمة من الدرجات المتتابعة.
أخيرًا، لو عدنا إلى تعاملاتنا اليومية مع اللغة، لوجدنا أن ما وصفناه على أنه سلم متدرج ليس إلا نظامًا حيًا يتحرك ويتطور في اتجاهات شتى بلا توقف. فنحن نبتكر أصواتًا وألفاظًا جديدة، ونمنح بعض الألفاظ معاني فتحيا كلمات جديدة. ولا يتوقف الأمر عند ذلك؛ إذ تدخل كلمات إلى المعجم، بينما تنسحب منه أخرى فقدت حضورها أو الحاجة إليها. وكل هذه التحولات شائعة ومعروفة في حياة اللغات، حتى وإن حدث معظمها دون أن ننتبه إليها.
ملاحظة: استكمالًا لبناء هذا التصور التبسيطي، ستجد فيما يلي رسمًا توضيحيًا للخطوات التي تحدثنا عنها في صورة جذور شجرة؛ دوحة تمتد جذورها في عالم اللسان، بينما يظهر فوقها عالم أكثر تعقيدًا هو عالم المعنى والمفهوم والمعرفة، وهو العالم الذي سنواصل استكشافه في الجزء التالي من هذا المقال.
1 تعليق
Trackbacks/Pingbacks
- شجرة الكلمة (٢) | موقع الكاتب الشادي/ سعود الحركان - […] ..تكلمة لمقال شجرة الكلمة (١) […]


مقال عميق ودقيق شكرا