منصة فكّر

لتعليم حرفة التفكير والكتابة باللغة العربية للبالغين والمحترفين

رحلتي مع الكلمات (٢)

بواسطة | أغسطس 20, 2026 | مقالات فكرية عامة | 0 تعليقات

Play Sound

 (١) استكمالا للقسم الأول من مقال رحلتي مع الكلمة 

.. في هذا القسم من المقال سنكمل حديثنا لمن يرغب في فهم أعمق لعلاقة الأديب، بصورة عامة، بالكلمة بوصفها.  لكن وقبل أن نمضي سنقوم بتطوير الشرح في القسم الأول من المقال  ليأخذ الشكل التالي والذي يغوص في مفهوم  “الكلمة”  بوصفها أداة لتحويل أي تجربة عابرة إلى مادة قابلة للتأمل، وإلى وسيلة لإثراء التجربة ذاتها، .

نعود فنكمل الحديث بالقول: الأديب، كغيره من البشر، يعيش ويتفاعل مع الأشياء والأحداث، لكنه يفعل ذلك بحساسية مختلفة تدفعه إلى التوقف أمام ما قد يمر به الآخرون مرورًا عابرًا. فالوردة بالنسبة إليه ليست مجرد نبتة ملونة، بل قد تصبح «مرسى» لشعور غامض؛ حنينًا، ولهًا أو حزنًا. وهنا يبدأ البحث عن الكلمة المناسبة  أو “التسمية”.

لآحظ أن “التسمية” ليست أمرًا هامشيًا؛ فعندما نعثر على الكلمة التي تصف شعورًا أو تجربة، فإننا نمنحهما حدودًا أوضح، فنصبح بذلك أكثر أقدر على تأملهما، مقارنتهما بل وربطهما بغيرهما. وهو ما يولد علاقة طردية بين حصيلة الأديب اللغوية وقدرته على ملاحظة دقائق الأشياء: كلما زادت حصيلته اللغوية ، ازدادت النوافذ التي يستطيع أن ينظر منها إلى تجربته.

ننبه هنا أن  الحصيلة اللغوية هنا لا تعني تكديس المفردات وحفظ غرائب الألفاظ. فلكل كلمة ظلالها، إيقاعها وتاريخها. وقد تحمل أثرًا اجتماعيًا،  عاطفيًا أو ثقافيًا يجعلها أقدر من غيرها على استحضار عالم كامل في ذهن القارئ. ولذلك فإن قيمة المفردة ليست في ندرتها، بل في قدرتها على أن تكون الكلمة التي يحتاجها السياق حقًا.

وهذه هي علاقتي بالمعاجم. فأنا لم أحفظ قط كلمة وأنا أقول لنفسي: سأستخدمها يومًا في رواية أو قصيدة. لكنني أحب المعاجم، وكانت عادتي، على مدى سنوات طويلة، أن أقرأ الأدب، ثم أعود إليها كلما استوقفتني كلمة. أبحث عن جذرها، تشكيلها، تاريخها، والسياقات التي استُعملت فيها.. ثم أنساها وأمضي.

لكن الكلمات، فيما يبدو، لا تنسانا بالسهولة نفسها.

فحين أجلس لأصف مشهدًا قرب البحر، تعود إلى مخيلتي ألوان الرمال أشكال الصخور وتشكّلات السحب. فتعود معها كلمات قديمة كنت قد التقيتها ذات قراءة بعيدة. عندئذ أعيد اكتشافها في سياق جديد.فأقرّب بينها وبين صور لم تجتمع بها من قبل. فقد أصف سماء الغروب، مثلًا، بأنها «معركة دامية»؛ فأنا لا أستعير وصفًا جاهزًا من معجم، بل أضع الكلمات القديمة في علاقات جديدة تولد منها دلالة جديدة.

وهنا تتحول اللغة من وسيلة لنقل التجربة إلى أداة لإثرائها.

لذلك، فأنا  أؤمن بأن تجربة الأديب تنمو كلما نما وعيه بالكلمات. فهو لا يكتب فقط ما عاشه، بل يعود إلى ما عاشه من خلال اللغة، فيراه مرة أخرى بصورة مختلفة. وربما كان ذاك أحد أسباب إحجامي عن الكتابة الأدبية باللغة الإنجليزية رغم إجادتي لها؛ فما أبحث عنه ليس مجرد نقل التجربة كما حدثت، بل إعادة اكتشافها باللغة العربية التي تشكّل بها وجداني. أجل، اللغة العربية بالنسبة إليّ ليست ثوبًا ألبسه للفكرة بعد اكتمالها، بل جزء من تكوين الفكرة نفسها. والكلمة التي أبحث عنها ليست زينةً للنص، وإنما عدسة أحاول أن أرى من خلالها شيئًا لم أكن أراه بالوضوح نفسه من قبل.

وربما هنا تكمن رحلتي الحقيقية مع الكلمات: لم أكن أجمعها كي أكتب، بل كنت أعيش، أقرأ وأتأمل، حتى أصبحت الكلمات نفسها جزءًا من الطريقة التي أرى بها العالم.