منصة فكّر

لتعليم حرفة التفكير والكتابة باللغة العربية للبالغين والمحترفين

المعرفة وتوريثها (٢)

بواسطة | أغسطس 13, 2026 | مقالات فكرية عامة | 0 تعليقات

Play Sound

..نكمل الحديث الدي بدأناه في المقال الأول

بداية‭ ‬توريث‭ ‬المعرفة‭ ‬ونقلها

الآن‭ ‬لنغيّر‭ ‬زاوية‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬تجربة‭ ‬زيارة‭ ‬إنسان‭ ‬لكوكب‭ ‬آخر‭ ‬لم‭ ‬يسبق‭ ‬أن‭ ‬زاره‭ ‬أحد‭.‬

بالطبع‭ ‬ستبقى‭ ‬تجربة‭ ‬فريدة؛‭ ‬سيرى‭ ‬فيها،‭ ‬ويسمع،‭ ‬ويشعر‭ ‬بما‭ ‬لم‭ ‬يختبره‭ ‬أحد‭ ‬سواه‭ ‬بالطريقة‭ ‬نفسها‭ ‬من‭ ‬قبل‭. ‬لكننا‭ ‬نريد‭ ‬الآن‭ ‬أن‭ ‬ننظر‭ ‬إليها‭ ‬بوصفها‭ ‬معرفة‭ ‬قابلة‭ ‬للنقل‭ ‬والتوريث‭. ‬ونريد‭ ‬أن‭ ‬نتتبع‭ ‬رحلة‭ ‬انتقالها‭ ‬من‭ ‬صاحبها‭ ‬الأول‭ ‬إلى‭ ‬المجال‭ ‬المشترك‭ ‬بين‭ ‬الناس‭.‬

تبدأ‭ ‬الرحلة‭ ‬بـ«الإفصاح»؛‭ ‬أي‭ ‬محاولة‭ ‬الإنسان‭ ‬إخراج‭ ‬ما‭ ‬يعرفه‭ ‬من‭ ‬داخله‭. ‬ثم‭ ‬يأتي‭ ‬‮«‬الترميز‮»‬،‭ ‬حين‭ ‬تتحول‭ ‬التجربة‭ ‬إلى‭ ‬كلمات‭ ‬أو‭ ‬صور‭ ‬أو‭ ‬أرقام‭ ‬أو‭ ‬رموز‭ ‬يستطيع‭ ‬الآخرون‭ ‬فهمها‭. ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬تُسجّل‭ ‬المعرفة‭ ‬وتُوثّق،‭ ‬ثم‭ ‬تقارن‭ ‬بتجارب‭ ‬وشهادات‭ ‬أخرى،‭ ‬لتبدأ‭ ‬مرحلة‭ ‬‮«‬التحقق‮»‬‭ ‬التي‭ ‬تميز‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬شخصي‭ ‬وعابر‭ ‬مما‭ ‬يمكن‭ ‬الاعتماد‭ ‬عليه‭ ‬بصورة‭ ‬أوسع‭. ‬ثم‭ ‬تبدأ‭ ‬عملية‭ ‬التثبيت‭ ‬والتنظيم‭ ‬داخل‭ ‬مفاهيم‭ ‬وتصنيفات‭ ‬وعلاقات،‭ ‬قبل‭ ‬حفظها‭ ‬في‭ ‬الكتب‭ ‬والسجلات‭ ‬وقواعد‭ ‬البيانات‭ ‬والذاكرة‭ ‬الإنسانية‭.‬

المرحلة‭ ‬الأخيرة‭ ‬هي‭ ‬مرحلة‭ ‬‮«‬التداول»؛‭ ‬وفيها‭ ‬تنتقل‭ ‬المعرفة‭ ‬بالتعليم‭ ‬والقراءة‭ ‬والحوار‭ ‬من‭ ‬شخص‭ ‬إلى‭ ‬آخر،‭ ‬ومن‭ ‬جيل‭ ‬إلى‭ ‬جيل‭. ‬وعند‭ ‬هذه‭ ‬النقطة‭ ‬لا‭ ‬تعود‭ ‬المعرفة‭ ‬مرتبطة‭ ‬بصاحب‭ ‬تجربتها‭ ‬الأولى‭ ‬وحده،‭ ‬بل‭ ‬تصبح‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬المعرفة‭ ‬الجمعية؛‭ ‬أي‭ ‬يصبح‭ ‬في‭ ‬وسع‭ ‬البعيد‭ ‬والقريب‭ ‬أن‭ ‬يكتسبها،‭ ‬أو‭ ‬يدرسها،‭ ‬أو‭ ‬ينقدها،‭ ‬أو‭ ‬يبني‭ ‬عليها‭ ‬معرفة‭ ‬جديدة‭.‬

مثال‭ ‬توضيحي

والآن،‭ ‬ولتوضيح‭ ‬الأمر‭ ‬أكثر،‭ ‬لنسقط‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬قلناه‭ ‬على‭ ‬معرفة‭ ‬بسيطة‭ ‬مثل‭ ‬معرفة‭ ‬حفر‭ ‬الآبار‭.‬

‭.. ‬في‭ ‬البداية‭ ‬كان‭ ‬البشر‭ ‬يشربون‭ ‬من‭ ‬الينابيع‭ ‬والبحيرات‭ ‬والبرك‭ ‬والأنهار‭. ‬ثم‭ ‬جاء‭ ‬شخص‭ ‬كان‭ ‬يشرب‭ ‬من‭ ‬عين‭ ‬تنبع‭ ‬من‭ ‬الأرض،‭ ‬فلما‭ ‬نضبت‭ ‬قرر‭ ‬أن‭ ‬يحفر‭ ‬بحثًا‭ ‬عنها‭. ‬حفر‭ ‬قليلًا‭ ‬فوجد‭ ‬الماء‭ ‬من‭ ‬جديد،‭ ‬فاستنتج‭ ‬أن‭ ‬الماء‭ ‬يوجد‭ ‬تحت‭ ‬التربة‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬مكان‭. ‬ثم‭ ‬حفر‭ ‬في‭ ‬أماكن‭ ‬أخرى‭ ‬فلم‭ ‬يجد‭ ‬ماء،‭ ‬فعرف‭ ‬أن‭ ‬الماء‭ ‬لا‭ ‬يوجد‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مكان،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬مواضع‭ ‬محددة‭. ‬ولا‭ ‬يزال‭ ‬يحاول‭ ‬ويحفر‭ ‬حتى‭ ‬اكتشف،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬التجربة‭ ‬الشخصية،‭ ‬جملة‭ ‬من‭ ‬المعارف‭ ‬التي‭ ‬تساعده‭ ‬على‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬الماء‭ ‬بحفر‭ ‬الآبار‭.‬

في‭ ‬الخطوة‭ ‬التالية،‭ ‬قرر‭ ‬أن‭ ‬يفصح‭ ‬لأبنائه،‭ ‬مستخدمًا‭ ‬الكلمات‭ ‬والرموز،‭ ‬عن‭ ‬تلك‭ ‬المعرفة،‭ ‬وبدأ‭ ‬النقاش‭ ‬حولها‭. ‬ثم‭ ‬ذهب‭ ‬أبناؤه‭ ‬فأفصحوا‭ ‬لبقية‭ ‬أفراد‭ ‬القبيلة‭ ‬التي‭ ‬ينتمي‭ ‬إليها‭. ‬فبدأت‭ ‬عملية‭ ‬التحقق‭ ‬وتدوين‭ ‬المكتسبات‭ ‬المعرفية‭. ‬وبعد‭ ‬ذلك‭ ‬بدأ‭ ‬أفراد‭ ‬القبيلة‭ ‬في‭ ‬تداول‭ ‬تلك‭ ‬المعارف‭ ‬ونقلها،‭ ‬حتى‭ ‬غدت‭ ‬معرفة‭ ‬حفر‭ ‬الآبار‭ ‬موضع‭ ‬اهتمام‭ ‬يتوارثه‭ ‬الناس‭ ‬ويتطور‭ ‬عبر‭ ‬الأجيال‭.‬

الملخص

إن‭ ‬المعرفة‭ ‬الجمعية‭ ‬المتوارثة‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬مجموع‭ ‬لما‭ ‬يعرفه‭ ‬فرد‭ ‬أو‭ ‬أكثر،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬حصيلة‭ ‬ما‭ ‬استطاع‭ ‬البشر‭ ‬وصفه،‭ ‬وترميزه،‭ ‬وتوثيقه،‭ ‬والتحقق‭ ‬منه،‭ ‬وحفظه،‭ ‬ثم‭ ‬تداوله‭. ‬لكن‭ ‬وفي‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته‭ ‬نستطيع‭ ‬أن‭ ‬نرى‭ ‬أنه‭ ‬بتلك‭ ‬الرحلة‭ ‬تتحول‭ ‬الخبرة‭ ‬العابرة‭ ‬لإنسان‭ ‬واحد‭ ‬إلى‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬ذاكرة‭ ‬المجتمع،‭ ‬بل‭ ‬وجزء‭ ‬مهم‭ ‬من‭ ‬ذاكرة‭ ‬الجنس‭ ‬البشري‭ ‬بأكمله‭.‬

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *