..نكمل الحديث الدي بدأناه في المقال الأول
بداية توريث المعرفة ونقلها
الآن لنغيّر زاوية النظر إلى تجربة زيارة إنسان لكوكب آخر لم يسبق أن زاره أحد.
بالطبع ستبقى تجربة فريدة؛ سيرى فيها، ويسمع، ويشعر بما لم يختبره أحد سواه بالطريقة نفسها من قبل. لكننا نريد الآن أن ننظر إليها بوصفها معرفة قابلة للنقل والتوريث. ونريد أن نتتبع رحلة انتقالها من صاحبها الأول إلى المجال المشترك بين الناس.
تبدأ الرحلة بـ«الإفصاح»؛ أي محاولة الإنسان إخراج ما يعرفه من داخله. ثم يأتي «الترميز»، حين تتحول التجربة إلى كلمات أو صور أو أرقام أو رموز يستطيع الآخرون فهمها. بعد ذلك تُسجّل المعرفة وتُوثّق، ثم تقارن بتجارب وشهادات أخرى، لتبدأ مرحلة «التحقق» التي تميز ما هو شخصي وعابر مما يمكن الاعتماد عليه بصورة أوسع. ثم تبدأ عملية التثبيت والتنظيم داخل مفاهيم وتصنيفات وعلاقات، قبل حفظها في الكتب والسجلات وقواعد البيانات والذاكرة الإنسانية.
المرحلة الأخيرة هي مرحلة «التداول»؛ وفيها تنتقل المعرفة بالتعليم والقراءة والحوار من شخص إلى آخر، ومن جيل إلى جيل. وعند هذه النقطة لا تعود المعرفة مرتبطة بصاحب تجربتها الأولى وحده، بل تصبح جزءًا من المعرفة الجمعية؛ أي يصبح في وسع البعيد والقريب أن يكتسبها، أو يدرسها، أو ينقدها، أو يبني عليها معرفة جديدة.
مثال توضيحي
والآن، ولتوضيح الأمر أكثر، لنسقط كل ما قلناه على معرفة بسيطة مثل معرفة حفر الآبار.
.. في البداية كان البشر يشربون من الينابيع والبحيرات والبرك والأنهار. ثم جاء شخص كان يشرب من عين تنبع من الأرض، فلما نضبت قرر أن يحفر بحثًا عنها. حفر قليلًا فوجد الماء من جديد، فاستنتج أن الماء يوجد تحت التربة في أي مكان. ثم حفر في أماكن أخرى فلم يجد ماء، فعرف أن الماء لا يوجد في كل مكان، بل في مواضع محددة. ولا يزال يحاول ويحفر حتى اكتشف، من خلال التجربة الشخصية، جملة من المعارف التي تساعده على الوصول إلى الماء بحفر الآبار.
في الخطوة التالية، قرر أن يفصح لأبنائه، مستخدمًا الكلمات والرموز، عن تلك المعرفة، وبدأ النقاش حولها. ثم ذهب أبناؤه فأفصحوا لبقية أفراد القبيلة التي ينتمي إليها. فبدأت عملية التحقق وتدوين المكتسبات المعرفية. وبعد ذلك بدأ أفراد القبيلة في تداول تلك المعارف ونقلها، حتى غدت معرفة حفر الآبار موضع اهتمام يتوارثه الناس ويتطور عبر الأجيال.
الملخص
إن المعرفة الجمعية المتوارثة ليست مجرد مجموع لما يعرفه فرد أو أكثر، بل هي حصيلة ما استطاع البشر وصفه، وترميزه، وتوثيقه، والتحقق منه، وحفظه، ثم تداوله. لكن وفي الوقت ذاته نستطيع أن نرى أنه بتلك الرحلة تتحول الخبرة العابرة لإنسان واحد إلى جزء من ذاكرة المجتمع، بل وجزء مهم من ذاكرة الجنس البشري بأكمله.

0 تعليق