تختلط في الثقافة العامة كلمتا «المعرفة» و«العلم» حتى تكاد المسافة بينهما تختفي، مع أن كل واحدة منهما تشير إلى تجربة مختلفة في صلة الإنسان بالعالم. فالمعرفة أوسع من العلم وأقدم منه؛ إنها ذلك الأفق الذي يبدأ بالتشكل منذ اللحظة التي يفتح فيها الإنسان عينيه على الوجود، بينما العلم طريق مخصوص ينشأ داخل هذا الأفق حين لا يعود الإنسان مكتفيًا بأن يعرف، بل يبدأ في مساءلة ما يعرفه، والبحث عن أصوله وحدوده ومدى صدقه.
تبدأ المعرفة فينا قبل أن نملك الكلمات التي نصفها بها. فالطفل يعرف دفء أمه قبل أن يعرف كلمة «الدفء»، ويشعر بالخوف قبل أن يدرك معنى «الخطر»، ويهتدي إلى النافذة والباب قبل أن يتعلم شيئًا عن المكان والاتجاه. نحن، بهذا المعنى، لا ندخل العالم عن طريق اللغة، بل عن طريق أجسادنا وحواسنا وتجاربنا الأولى؛ ثم تأتي اللغة لاحقًا لتمنح أسماءً لما سبق أن سكن في وعينا. لكن هذه المعرفة الأولى، على قربها منا، ليست بالضرورة حقيقة مكتملة. فقد تخدعنا العين، وتعيد الذاكرة ترتيب الماضي على هواها، ويحوّل التكرار المألوف إلى يقين، وقد نرى العالم كله من ثقب تجربة واحدة. وهنا، ربما للمرة الأولى، ينشأ في المعرفة صدع صغير اسمه «الشك»، ومن هذا الصدع يبدأ طريق العلم.
فالعلم لا يقف في الجهة المقابلة للمعرفة، ولا يأتي ليهدمها، وإنما يولد من داخلها حين تصبح غير راضية عن نفسها. إنه اللحظة التي لا نعود فيها نسأل عمّا حدث فحسب، بل عن السبب الذي جعله يحدث، ولا نكتفي بأن نقول إننا نعرف، بل نتساءل: كيف عرفنا؟ وما الذي يجعل معرفتنا قابلة للتصديق؟ كان الإنسان يشاهد الأشياء تسقط إلى الأرض منذ فجر التاريخ؛ رأى الثمرة تفارق غصنها والحجر يهوي من اليد، ولم تكن تلك المشاهدة بحاجة إلى علم. لكن السؤال: «لماذا تسقط الأشياء؟» غيّر طبيعة المشهد كله. فالتفاحة لم تعد مجرد ثمرة ساقطة، بل صارت بابًا إلى سؤال. وربما كانت تلك هي طبيعة العلم في جوهره: أن يرى في أكثر الأشياء اعتيادًا ما يستحق أن يُسأل عنه.
الشكل العام لطريق المعرفة
نأتي إلى هذا العالم مزودين بقدرات كثيرة لا نحتاج إلى تعلمها من أحد؛ نتنفس، ونجوع، ونسمع، ونتحسس، ونستجيب للألم والدفء والضوء، وكأن الجسد يحمل في داخله معرفة أولية أقدم من الفكر نفسه. غير أن القدرة الأكثر إثارة بين هذه القدرات هي قدرتنا على التعلم؛ أن تغيرنا التجربة، وأن نخرج من اللقاء مع العالم مختلفين عمّا كنا عليه قبله. والتعلم هنا لا يعني «العلم» بمعناه المنهجي، بل يعني تلك الحركة الخفية التي تتسع بها معرفتنا كلما عشنا، واختبرنا، وأخطأنا، وتذكرنا. وهكذا لا نمضي في الحياة حاملين المعرفة معنا، بل نمضي وهي تعيد تشكيلنا في الطريق. نصعد عبر طبقات من الوعي، حتى نبلغ مرحلة يصبح فيها العقل قادرًا على أن يلتفت إلى معرفته نفسها، فيسأل عنها ويفحصها، فيبدأ طريق «العلم»، ثم قد يمضي أبعد من ذلك إلى سؤال أكثر غرابة: ماذا نعرف عن معرفتنا ذاتها؟
(انظر الشرح المرفق)
المعرفة وومضات الوعي
ليست رحلة المعرفة خطًا مستقيمًا، ولا سُلَّمًا نصعده درجة بعد أخرى دون عودة. إنها أقرب إلى حركة داخلية تتداخل فيها التجربة والذاكرة والسؤال والدهشة. وقد تمر أعوام ونحن نضيف معلومات إلى ما نعرف دون أن يتغير فينا شيء جوهري، ثم تأتي لحظة صغيرة، عبارة عابرة أو مشهد أو تجربة، فتزيح شيئًا في داخلنا وتعيد ترتيب صورة كاملة كنا نظنها مستقرة. تلك اللحظات يمكن أن نسميها «ومضات الوعي». فالوعي لا يعني أن تعرف أكثر بالضرورة، بل أن ترى بصورة مختلفة. قد تكتشف فجأة أن يقينًا قديمًا لم يكن يقينًا، أو أن أمرًا اعتدت النظر إليه من جهة واحدة له وجه آخر، أو أن السؤال الذي كنت تبحث عن إجابته لم يكن هو السؤال الصحيح أصلًا. وفي مثل هذه اللحظات لا يتغير العالم أمامنا، بل تتغير العين التي تنظر إليه. ولهذا تصبح رحلة المعرفة، في عمقها، رحلة لاكتشاف العالم واكتشاف الذات التي تعرفه في الوقت نفسه.
ملخص القول
يمكن تشبيه المعرفة بسُلَّم طويل، لكننا لا نرى درجاته حين نبدأ الصعود. نفتح أعيننا على العالم فنراه قبل أن نفكر فيه، ونلمسه قبل أن نصفه، ونخاف منه ونألفه قبل أن نعرف لماذا. في تلك المراحل الأولى يعمل الجسد والحواس والذاكرة بصمت، وتتشكل في داخلنا صورة أولى للوجود دون أن ندرك أننا نبنيها. ومع كل تجربة يضاف شيء، ويحذف شيء، وتتعدل زاوية، حتى يصبح لكل واحد منا عالمه الداخلي الذي ينظر من خلاله إلى العالم الخارجي.
ثم يحدث في مرحلة ما تحول هادئ لكنه عميق: لا تعود الأشياء كافية بذاتها، ولا تكفينا المشاهدة. يبدأ الإنسان في الالتفات إلى معرفته نفسها. يسأل: لماذا يحدث ما يحدث؟ هل ما أراه هو الحقيقة أم مجرد ما تسمح لي عيناي برؤيته؟ كيف عرفت ما أعرفه؟ هل يمكن أن أكون مخطئًا؟ وهل يصلح ما خبرته أنا أن يكون حقيقة للجميع؟ عند هذه العتبة تصبح المعرفة أكثر وعيًا بنفسها، ويظهر العلم بوصفه محاولة الإنسان أن يجعل هذا السؤال منظمًا وقابلًا للاختبار. ومن هنا يمكن اختصار الرحلة كلها في حركة متكررة: نعرف، ثم نشك، ثم نسأل، ثم نفكر، ثم نختبر، ثم نعود إلى المعرفة وقد تغيرت. لكن الذي يتغير في النهاية ليس ما نعرفه فقط؛ فكل معرفة جديدة تعيد، بدرجة ما، تشكيل الإنسان الذي يعرف. وربما كانت الغاية الأبعد من رحلة المعرفة كلها ألا نصل إلى صورة نهائية للعالم، بل أن نصبح أكثر وعيًا بالطريقة التي نبني بها تلك الصورة.


مقال يبغاله قهوة اسبريسو ، عمق ومنظور دقيق يميز بين العلم والمعرفة ويرسم سلمية متدرجة لشجرةوالمعرفة تبدأ بالجذور وتنتهي بالثمار .شكرا في انتظار المقالات الأخرى .