كلما رفعنا القلم، أو استخدمنا الحاسوب للكتابة، فإننا نسير عادةً وفق عدد من المسارات الفكرية، وقد نقع في أخطاء إملائية، أو نحوية، أو حتى بنيوية؛ أي أخطاء تمسّ بناء النص نفسه. لذلك، من الضروري العودة إلى النص بعد الانتهاء من كتابته، ثم قراءته بعناية للتأكد من تماسكه وخلوّه من مختلف أنواع الأخطاء. وتندرج هذه العملية تحت مفهوم عام يُعرف بـ “التحرير»، وهو مجال يُقسَّم إلى أربعة أصناف رئيسية متعارف عليها بين المختصين.
أنواع أو أساليب التحرير
للتحرير عدة أساليب، يُطلق على كل منها اسم «أسلوب»، وهي:
– التحرير البسيط
– التحرير المتقدم
– التحرير الإجرائي
– الإنشاء التحريري
التحرير البسيط
يقصد بالتحرير البسيط مراجعة النص بحثًا عن الأخطاء الإملائية والنحوية، وقد يشمل أيضًا إضافة نقطة، أو تصحيح فاصلة، أو تعديل علامة ترقيم، وما إلى ذلك. ويُستخدم هذا النوع غالبًا في النصوص القصيرة، والرسائل بمختلف أنواعها.
التحرير المتقدم
في النصوص الطويلة تظهر تحديات لا نجدها في النصوص القصيرة. أولى تلك التحديات الحفاظ على وحدة الفكرة، وسلامة البناء، بحيث يعمل كل جزء من النص على خدمة بقية أجزائه. اختلال هذا التماسك، حتى لو كان النص صحيحًا من الناحية الإملائية والنحوية، يضعف النص قيمته ويُفقده أثره في ذهن القارئ. وهنا يأتي دور التحرير المتقدم، الذي تتمثل مهمته في التأكد من أن النص يعمل بوصفه كيانًا صحيحاً متكاملًا.
في هذا النوع من التحرير، يكون الهدف من القراءة والمراجعة التأكد من الأمور الآتية:
.١ أن تخدم جميع مكونات المقال العنوان المختار له.
.٢ أن تتضمن المقدمة تصورًا أوليًا لما سيحمله النص من مادة معرفية، مع بيان طريقة تنظيمها وترتيبها. مثال: *في هذا المقال سنناقش مفهوم «التحرير» بأصنافه الأربعة المتعارف عليها بين المختصين.*
٣. أن تكون فقرات المقال مترابطة موضوعيًا، وتقود القارئ تدريجيًا إلى النتيجة أو الاستنتاج المطلوب.
٤. أن تكون العبارات سليمة ومكتملة، وتنتهي بعلامة ترقيم مناسبة، وألا يطول معظمها أكثر من سطرين. وإذا طالت العبارة، فمن الأفضل تقسيمها إلى عبارتين أو أكثر مع استخدام أدوات الربط المناسبة.
التحرير الإجرائي
اتضح لنا في التحرير المتقدم أن عملية التحرير في أصلها أعقد مما قد تبدو عليه. وأن مجرد القراءة والمراجعة لا يكفيان لإنتاج نص صحيح وقوي في الوقت نفسه، بل إن الأمر قد يحتاج إلى قراءة متأنية، وتفكير في الرسائل التي يحملها النص، وفي الطريقة التي ستصل بها إلى القارئ. لذلك فقد طوّر الكتّاب والمحررون، عبر العصور، استراتيجيات إجرائية متعددة الخطوات لتوفير الوقت والجهد أثناء أنجاز تلك العملية. من أشهر الطرق الإجرائية تصنيف الأخطاء إلى مجموعات، ثم مراجعة النص عدة مرات، بحيث يتم التركيز في كل قراءة على نوع واحد فقط من الأخطاء؛ كالإملاء في قراءة، والترقيم في أخرى، ثم التماسك والبناء في قراءة ثالثة، الخ. وغالبًا ما تكون هذه الطريقة أكثر دقة وفاعلية من محاولة معالجة جميع المشكلات في قراءة واحدة.
الإنشاء التحريري
حتى لا تختلط المفاهيم، فسأخصص المقال رقم (٢) للحديث عن الإنشاء التحريري، وبيان علاقته بالتحرير العام، وأوجه الاختلاف بينهما.
الملخص
التحرير هو الخطوة الأخيرة التي تسبق نشر النص. ففي هذه المرحلة يكتسب النص صورته التواصلية النهائية، ويصبح مناسبًا للقارئ المستهدف، وخاليًا ـ قدر الإمكان ـ من الأخطاء الإملائية، النحوية، البنيوية والأسلوبية، بما يضمن وضوح الفكرة وقوة أثرها.

0 تعليق