الخلفية هي المسرح الذي تجري عليه أحداث القصة. ولكل عمل أدبي خلفية مكانية، أي البيئة التي تتحرك فيها الشخوص وتقع فيها الوقائع: قرية، مدينة، صحراء، قصر، سوق، بحر، أو حتى عالم متخيّل لا وجود له إلا في خيال الكاتب.
أما الخلفية الزمانية، فهي الحقبة أو الفترة التي تدور فيها أحداث العمل، بكل ما يرتبط بها من معمار، وأزياء، وأدوات، ووقائع محلية أو عالمية، وأنماط عيش وتفكير.
خلفية العمل الأدبي: ما لها وما عليها
أثناء إعداد العمل، يواجه الكاتب عادة سؤالين أساسيين: أين أريد أن تجري الأحداث؟ ومتى أريدها أن تقع؟ هل تقع اليوم؟ قبل سنة؟ قبل قرن؟ في زمن قديم؟ أم في مستقبل متخيّل؟
ثم و بمجرد تحديدالزمن، تبدأ اختيارات المكان بالتضيق والاتضاح؛ فبعض الأحياء، بل بعض المدن، لم تكن موجودة قبل خمسين عامًا مثلًا. وكذلك الأمر في المفروشات، والأزياء، والأدوات، ووسائل النقل، والأجهزة، وطريقة الكلام، وطبيعة العلاقات بين الناس.
يأتي بعد ذلك دور الأحداث المحلية والعالمية التي تواكب زمن العمل؛ فالقصة التي تقع في زمن حرب لا تشبه قصة تقع في زمن رخاء، والحكاية التي تجري في مدينة ساحلية لا تشبه حكاية تدور في قرية جبلية أو صحراء ممتدة.
لذلك يمكن القول إن العمل الأدبي هو الذي يحدد خلفيته في البداية، لكن ما إن يختار الكاتب تلك الخلفية حتى يصبح العمل تابعًا لها، ومحكومًا بمنطقها. وهذه العملية كلها يمكن أن نسميها: «صياغة الخلفيات».
الصياغة الجيدة للخلفيات
نقصد بالصياغة هنا أن يختار الكاتب ما يناسب زمن العمل ومكانه، وأن ينسجم المكان والزمان والأحداث مع بقية عناصر النص. فالمكان لا ينبغي أن يكون معزولًا عن الزمن، والزمن لا ينبغي أن يكون مجرد تاريخ يذكره الكاتب ثم ينساه.
وتكمن أهمية الصياغة الجيدة للخلفيات الزمانية والمكانية في أنها تجعل العمل الأدبي أكثر قبولًا ومصداقية. فإذا أحسن الكاتب دمج الزمان بالمكان وبقية مكونات عالم النص، شعر القارئ أن العالم الذي يقرؤه حيّ وقابل للتصديق، حتى وإن كان متخيّلًا. أما إذا بقيت الخلفية ضبابية أو مضطربة، فإن الأحداث قد تبدو معلّقة في المجهول، بلا أرض تقف عليها ولا هواء تتنفسه.
ومن آثار الخلفية الزمانية والمكانية أيضًا أنها تساعد على خلق الجو العام للنص. فليل طويل في بيت مهجور يختلف عن صباح في سوق مزدحم، ومدينة تحت المطر لا تشبه صحراء في قيظ الظهيرة، وقصر قديم لا يمنح القارئ الشعور نفسه الذي يمنحه مقهى حديث في شارع مزدحم.
خلاصة
الخلفية الزمانية والمكانية ليست زينة خارجية تُضاف إلى العمل الأدبي، بل هي جزء من روحه وبنائه. إنها الأرض التي تقف عليها الشخوص، والهواء الذي تتنفسه الأحداث، والظل الخفي الذي يلوّن الحكاية كلها.

0 تعليق