يعدّ الحوار من الأدوات المهمة التي يعتمد عليها الكاتب في إنشاء العمل الأدبي؛ فهو أداة دقيقة تكشف كثيرًا من خبايا نفوس الشخوص، وتحرّك الأحداث من غير أن يشعر القارئ بثقل ذلك أو افتعاله.
وفي الحقيقة، يمكن القول إن الحوار الجيد نوع من «الخدعة» الأدبية الجميلة؛ إذ يمنح القارئ إحساسًا بالحميمية والقرب من الشخوص، لأنهم ـ مثله ـ يتحاورون، ويتجادلون، ويترددون، ويخفون، ويصرّحون. وفوق ذلك، يمنح الحوار النص حياة وإيقاعًا، ويخفف من رتابة السرد المباشر.
الحوار اليومي والحوار في العمل الأدبي
الفرق الأساسي بين الحوار اليومي والحوار الأدبي أن الحوار اليومي عفوي، متفرّع، لا يسير غالبًا في اتجاه واحد. وفيه من التنفيس، والتكرار، والاستطراد، والمجاملات العابرة، أكثر مما فيه من قصد واضح لإيصال فكرة أو بناء معنى محدد.
أما الحوار في العمل الأدبي، فهو عفوي في ظاهره، لكنه مقصود في بنائه. يبدو كأنه يجري كما تجري الأحاديث بين الناس، غير أنه في الحقيقة موجّه نحو غاية فنية محددة. قد يتفرع قليلًا، لكنه لا يضيع. وقد يبدو بسيطًا، لكنه يحمل وظيفة داخل النص.
الحوار الأدبي الجيد
من أهم سمات الحوار الأدبي الجيد أن يبدو عفويًا، خاليًا من التصنع، من غير أن يكون نسخة حرفية من كلام الناس في الواقع. فهو يقف في منطقة وسطى: يشبه الحياة، لكنه أكثر دقة، واختيارًا، وتأثيرًا. ومن سماته كذلك أن يكون مناسبًا للشخصية. فالطفل لا يتكلم كالشيخ، والفقير لا يتكلم كالأمير، والخائف لا يتكلم كالواثق. في الحوار الجيد يكون لكل شخصية صوتها الخاص، ومفرداتها، وطريقتها في التعبير عن نفسها. وكلما اختلفت أصوات الشخوص، بدا العمل أكثر حياة وصدقًا.
والحوار الجيد هو أيضًا الحوار الذي يلمّح ولا يفضح، ويكشف خبايا الشخصية من غير أن يشعر القارئ بأنها مجرد دمية في يد الكاتب. إنه يمنح الشخصية مساحة للتردد، والتهرب، والمراوغة، وإخفاء ما لا تريد الاعتراف به. وهنا يصبح الصمت جزءًا من الحوار، كما تصبح النظرة، والحركة، وتغيّر النبرة، عناصر مهمة في بناء المشهد.
القيمة البنائية للحوار في العمل الأدبي
للحوار، كما قلنا، أكثر من دور في العمل الأدبي. فهو من جهة يقرّب العمل من قلب القارئ ووجدانه، لأنه يجعله يرى نفسه ومن حوله في النص. ومن جهة أخرى، يساعد على تحريك الأحداث ودفعها إلى الأمام. وتحريك الأحداث لا يعني أن يكون الحوار كلامًا زائدًا على النص؛ فالقاعدة البسيطة تقول: إذا أمكن حذف الحوار من غير أن يتأثر العمل، فهو غالبًا حوار ضعيف. الحوار الجيد ينبغي أن يكون جزءًا من بناء النص، لا زينة معلّقة عليه.
فلنتذكر أن مشكلة قد تبدأ بسؤال، وأن سرًا قد ينكشف من جواب، وأن علاقة كاملة قد تتغير بسبب جملة قصيرة.
ومن وظائف الحوار البنائية أيضًا أنه يختصر كثيرًا من العبارات الخبرية الطويلة. فبدل أن يقدّم الكاتب وصفًا مباشرًا لمكان، أو علاقة، أو حادثة سابقة، يمكنه أن يمرّر بعض ذلك داخل حوار طبيعي بين الشخوص، فيتلقى القارئ المعلومة من غير أن يشعر بأنه يقرأ تقريرًا.
نصيحة للكاتب
مهمة الكاتب أن يأخذ من الواقع روحه، ومن الحوارات التي يسمعها أو يعيشها مادته الأولى، ثم يهذّبها، ويكثّفها، ويوجهها، حتى تصبح صالحة للدخول في النص الأدبي. فالحوار الأدبي ليس نقلًا خامًا لكلام الناس، ولا خطبة يضعها الكاتب في أفواه شخوصه، بل هو كلام مصنوع بعناية، لكنه لا يظهر مصنوعًا.
خلاصة القول
الحوار الأدبي الجيد هو الحوار الذي يجعل القارئ يشعر بأنه أمام كلام بسيط، لذيذ، ومقنع، كأنه يسمعه في الحياة، أو كأنه شارك فيه بنفسه.

0 تعليق