السرد هو العمود الفقري لأي عمل أدبي يقوم على الحكاية، سواء أكان قصة قصيرة، أم رواية، أم حكاية شفوية. إنه الطريقة التي تُقدَّم بها الأحداث للقارئ أو المستمع، لا بوصفها وقائع متفرقة، بل بوصفها سلسلة مترابطة تبدأ من نقطة محددة، هي البداية، ثم تتطور عبر خط زمني معيّن، قد يمتد ساعة أو يومًا أو سنة، حتى تصل إلى خاتمة ما، هي النهاية.
وقد يكون السرد أوّليًا وبسيطًا، نلقي فيه ما نعرفه عن حدث من الأحداث، فيصير أشبه ما يكون بالخبر:
خرج أحمد يومًا إلى البحر. ركب مركبه واتجه نحو جزيرة الطيور. كان الجو، حين صعد إلى المركب، صافيًا، لكن ما إن غاب الشاطئ حتى هبّت ريح عاصفة.
وقد يكون السرد مرتبًا بطريقة نتقصّد فيها شدّ المستمع، وذلك عبر أساليب مختلفة؛ مثل تقديم بعض الأحداث وتأخير بعضها، أو تغيير زاوية النظر بتغيير شخصية الراوي، أو تنويع إيقاع الأحداث بين البطء والسرعة. وهذا مقصد مهم في الكتابة الأدبية، التي تهدف في جوهرها إلى جعل المتلقي يعيش الأحداث، لا أن يسمع تفاصيلها بفتور وسلبية.
كان أحمد منشغلًا بالصيد في قاربه الصغير، حين أحسّ بموجة كبيرة تهزّ القارب بعنف. التفت مذعورًا، فإذا الريح تشتد، والموج يعلو، ودفعة من ماء البحر تنقضّ عليه فتبلله، ثم تنسكب في جوف القارب بقدر لا يُستهان به. ففزع، وراح يحرّك القارب مسرعًا، وهو يتمتم: لطفك يا رب… كيف تغيّر الطقس فجأة؟
والآن، ولتبسيط مفهوم الكتابة الأدبية وتفكيكه، يمكن أن نتعامل مع السرد على أنه عنصر مستقل عن العمل الأدبي نفسه. فلنعتبره مجرّد استراتيجية لترتيب تفاصيل أي قصة، وذلك عبر الأسئلة التالية:
- كم تمتد فترة أحداث القصة؟
- ما حدث البداية، وما حدث النهاية؟
- ما أقل عدد من الأحداث التي يمكن ذكرها لرسم الصورة في خيال المستمع؟
- ما ترتيب الأحداث من حيث الأهمية؟
- كيف يمكن ترتيب الأحداث بحيث يبقى المتلقي مشدودًا إلى العمل أطول وقت ممكن؟
وهكذا يصبح السرد أداة لصناعة التشويق، لا مجرّد وعاء للأحداث. فالكاتب الماهر لا يروي ما حدث فقط، بل يجعل القارئ ينتظر ما سيحدث بعد ذلك.


0 تعليق