يظنّ بعض الناس أن الكتابة مجرّد موهبة، والحق أن جزءًا كبيرًا منها يقوم على المهارة والجهد والممارسة، وما بقي بعد ذلك يُترك للموهبة. لذلك، وتيسيرًا لمن يرغب في بذل الجهد لتطوير نفسه، يأتي هذا المقال امتدادًا للمقالات الثلاثة السابقة، ليضع تصورًا أوليًا مبسطًا لرحلة تنمية مهارة التعبير الكتابي.
عندما تكون لدى الإنسان فكرة ما، أي نشاط ذهني يريد إخراجه من داخله، فإن كانت الفكرة بسيطة، سمّينا وصفها «تعبير»، كما في قولنا: «لون الوردة أحمر». وإذا كان هذا التعبير موجّهًا إلى شخص آخر، سمّيناه «تواصل.»
أما إذا تعقّدت الفكرة الكامنة خلف هذا التعبير التواصلي، وتفرّعت لأسباب نفسية أو شعورية أو معرفية، كأن تتصل بتجربة، أو شعور، أو تصور، فإننا غالبًا ننتقل إلى طريق آخر اسمه «الإنشاء»؛ أي استخدام قالب تعبيري أوسع، مثل القصة، أو الحكاية، أو الرسالة، أو المقال.
والميزة الأهم في الإنشاء أنه يسهّل ثلاثة أمور:
أولًا: بناء الجسور التواصلية، كما تفعل الحكايات حين تجذب اهتمام المستمع، وتجعله أقرب إلى المعنى.
ثانيًا: ترتيب التفاصيل، فكل حكاية أو مقال يحتاج إلى بداية، ووسط، ونهاية، حتى لا تصل الفكرة مبعثرة.
ثالثًا: توجيه اهتمام المتلقي، إذ يدرك القارئ أو المستمع أن وراء هذا البناء رسالةً ما، فيتهيأ للبحث عنها وتلقيها.
وقد تتعقّد الفكرة أكثر، أو تأخذ مسارات تحتاج إلى أدوات لغوية أعمق، فيأتي دور أمر آخر اسمه «البيان». والبيان لا يأتي بالضرورة لتبسيط الفكرة، بل ليجعل القارئ أكثر استعدادًا لبذل الجهد في استقبالها وفهمها، وذلك عبر الصورة، والمجاز، والتشبيه، والكناية، وسائر الأدوات التي تقرّب المعنى من النفس.
ملاحظة مهمة: هذا التصور تبسيطي ولأغراض تعليمية؛ وإلا فإننا نستخدم التعبير، والتواصل، والإنشاء، والبيان في حياتنا اليومية، ولا سيما في الكلام الشفهي، دون أن ندرك ذلك دائمًا.
الخلاصة أن من أهم سمات من يرغب في تعلّم حرفة الكتابة أو فنّها:
١. أن يكون لديه ما يرغب في التعبير عنه للآخرين، وهذا يتطور بالبحث، والقراءة، والتأمل، وربما السفر وخوض التجارب.
٢. أن يركّز اهتمامه على قالب تعبيري واحد في البداية، ويحاول تطوير نفسه فيه باستمرار، مع عدم الممانعة في تجربة قوالب أخرى من حين إلى آخر.
٣. أن يبذل الجهد لا في فهم أدوات البيان فحسب، بل في التمرّن على استخدام أداة واحدة في كل مرة، حتى تتحول المعرفة النظرية إلى مهارة كتابية حقيقية.


بعد التدرب على المقال الحرفي معكم، أصبح من السهل وبشكل تلقائي التعبير الانشائي عن الفكرة وكتابة مقال .مقال رائع شكرا لك .